الشيخ محمد النهاوندي
222
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وترسلون إِلَيْهِمْ خفية أخبار النبي صلّى اللّه عليه وآله بِالْمَوَدَّةِ وبسبب المحبّة والنصيحة وَ الحال أَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ في قلوبكم من مودّتكم ، أو من الناس من كتابكم إليهم وَما أَعْلَنْتُمْ وأظهرتم للرسول من الاعتذار من إظهار المودّه لهم وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ وخالف نهيي عن موادّتهم واتّخاذهم أولياء فَقَدْ ضَلَّ وأخطأ سَواءَ السَّبِيلِ ووسط طريق الحقّ والصواب الموصل إلى السعادة الأبدية والقرب من اللّه . عن ابن عباس : أنّه عدل عن قصد الايمان في اعتقاده « 1 » . روى بعض العامة : أنّ حاطب بن أبي بلتعة - وكان من المهاجرين والبدريين والمبايعين بيعة الرضوان - لمّا تجهّز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لغزوة الفتح في السنة الثامنة من الهجرة ، كتب إلى أهل مكّة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يريدكم فخذوا حذركم ، فانّه توجّه إليكم بجيش كالليل : وأرسل الكتاب مع سارة مولاة بني عبد المطّلب ، وأعطاها عشرة دنانير وبردة ، وكانت سارة قدمت من مكة ، وكانت مغنية ، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لماذا جئت ؟ » قالت : جئت لتعطيني شيئا . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ما فعلت بعطائك من شبّان قريش ؟ » قالت : مذ قتلتهم ببدر لم يصل إليّ شيء إلّا قليل ، فأعطاها شيئا ، فرجعت إلى مكّة ومعها كتاب حاطب ، فنزل جبرئيل بالخبر ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عليا وعمّارا وطلحة والزبير والمقداد ومرثد بن أبي مرثد ، وقال : « انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ - وهو موضع بين الحرمين - فانّ بها ضعينة معها كتاب حاطب إلى أهل مكّة ، فخذوه منها ، فان أبت فاضربوا عنقها ، فأدركوها ثمّة فجحدت ، فسلّ عليّ عليه السّلام سيفه ، فأخرجته من عقائصها . فاستحضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حاطبا ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ما حملك على هذا ؟ » فقال : يا رسول اللّه ، ما كفرت منذ أسلمت ، وما غششتك منذ نصحتك ، ولكنّي كنت امرءا ملصقا « 2 » في قريش ، ولم أكن من أنفسهم ، ومن معك من المهاجرين كان له فيهم قرابات يحمون أهاليهم وأموالهم ، وليس فيهم من يحمي أهلي ، فأردت أن آخذ عندهم يدا ، ولم أفعله كفرا وارتدادا عن ديني ، وقد علمت أنّ كتابي لا يغني عنهم . فصدّقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقبل عذره . فقال عمر : دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق . فقال : « يا عمر ، إنّه شهد بدرا ، وما يدريك لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » ففاضت عينا عمر « 3 » . أقول : في ذيل الرواية من القدح في عمر - من جرأته على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وإظهار مخالفته له - ما لا يخفى . وعن القمي ، قال : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة - إلى أن قال - : كان سبب ذلك أنّ حاطب بن أبي
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 298 . ( 2 ) . أي حليفا . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 472 .